السيد محمدحسين الطباطبائي
246
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن
ثُمَّ جاءَكُمْ وقوله : فَمَنْ تَوَلَّى ، إذ هذا النوع من الخطاب بامم الأنبياء أليم وأنسب ، وحينئذ فقوله : فَاشْهَدُوا ، ليس خطابا للأمم ؛ إذ الشهادة قد مرّ أنّها غير مبذولة إلّا للواحد بعد الواحد من أولياء اللّه تعالى ، على أنّ الشاهد على الميثاق يجب أن يكون غير الموثّق عليه . فما قيل : إنّ الشهادة لبعضهم على بعض « 1 » غير مستقيم ، وسيجيء ما يشعر به من الروايات . وعلى هذا فمناسبة الآية مع ما قبلها من قصّة عيسى وأمر النصارى : أنّ أهل الكتاب قد اخذ عليهم الميثاق أن لا يفرّقوا بين الرسل ويؤمنوا بالنبيّ محمّد - صلّى اللّه عليه وآله - الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ، فنقضوا عهد اللّه ونسوا ميثاقه ، هذا . وعلى الثاني : كان المراد من مجيء الرسول اللحوق [ وهو ] أعمّ من الحضور والغيبة ، بحسب الوجود الدنيوي إذ إطلاق النبيّين - وهو جمع محلّى باللام - يفيد الاستغراق ، ومن الإيمان والنصرة إظهار الموافقة والإخبار به والدعوة إليه كما بشّر عيسى بمحمّد - صلّى اللّه عليه وآله - . ويمكن أن يكون المراد بالمجيء ، هو مطلق اللحوق في العدّ ، فيؤمن كلّ رسول بمن سبقه وينصره ، وبمن لحق به وينصره ، كما يؤيّده قوله : قُلْ آمَنَّا ، حيث أمر النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - بهذا الإيمان . وعلى كلّ من التقديرين روايات . ففي المجمع والجوامع عن الصادق - عليه السلام - في الآية : معناه : وإذ أخذ اللّه ميثاق أمم النبيّين كلّ امّة بتصديق نبيّها والعمل بما جاءهم به فما وفوا به
--> ( 1 ) . مجمع البيان 2 : 335 .